من جديد، تعود غزة إلى واجهة المشهد الإقليمي والدولي، ولكن هذه المرة ليس بسبب المواجهة مع الاحتلال الإسرائيلي، بل نتيجة تصاعد التوترات الداخلية ومحاولات حركة “حماس” إعادة فرض سيطرتها بالقوة في القطاع، مشاهد الاشتباكات، وأصوات الرصاص، وصور الضحايا من المدنيين الأبرياء، تعيد إلى الأذهان فصولًا مؤلمة من تاريخ الانقسام الفلسطيني، وتطرح تساؤلًا جوهريًا: إلى أين تمضي غزة في ظل هذا التصعيد، ومن سيدفع الثمن في النهاية؟
خلفية المشهد
منذ سيطرة حركة حماس على قطاع غزة في عام 2007 بعد صدام دموي مع حركة فتح، ظل القطاع يعيش حالة من الانقسام السياسي والمؤسسي، أفرزت واقعًا صعبًا على المستويات كافة، وعلى الرغم من محاولات المصالحة المتكررة برعاية عربية ودولية، فإن الانقسام ترسخ مع مرور الوقت، فيما بقي المواطن الغزّي يعيش تحت وطأة الحصار والانقسام والبطالة والفقر خاصة بعد حرب طاحنة استمرت عامين ذاق فيها أهالي غزة كل صنوف العذاب.
لكن ما يجري اليوم يبدو مختلفًا في شدته وطبيعته؛ فمصادر ميدانية وتقارير حقوقية تتحدث عن استخدام مفرط للقوة من قبل عناصر مسلحة تابعة لحماس في مواجهة معارضين أو محتجين على الأوضاع المعيشية، ما أثار موجة غضب داخلية وصدمة كبيرة.
إن الطريقة التي تتعامل بها الحركة مع الأصوات المعارضة أو الاحتجاجات الشعبية تكشف خشيتها من فقدان السيطرة، خصوصًا مع تزايد السخط الشعبي بسبب تدهور الأوضاع الاقتصادية.
منظمات حقوقية محلية تتحدث عن انتهاكات متزايدة لحقوق الإنسان، وعمليات اعتقال تعسفية، وتضييق على الإعلام المستقل”، في حين تنفي حماس تلك الاتهامات وتؤكد أنها “تحافظ على الأمن الداخلي وتمنع الفوضى التي يحاول البعض نشرها لصالح أجندات خارجية”.
ويعتبر منتقدون كثيرون لحماس أن استمرار النهج القمعي سيعمّق عزلة الحركة ويقوّض شرعيتها الشعبية والتي تآكلت بالفعل مع أيام الحرب الطاحنة، مؤكدين أن أي سلطة لا يمكنها الاستمرار بالقوة وحدها، وأن مصير غزة لا يمكن أن يتحسن إلا بالحوار والمشاركة الوطنية الحقيقية.
بين محاولات التثبيت بالقوة، ومعاناة المدنيين، والتنديد الدولي، تبدو غزة اليوم كأنها عالقة في دوامة لا نهاية لها. فبينما تسعى حماس إلى الحفاظ على سلطتها، يفقد سكان القطاع الأمل في غدٍ أفضل، وتزداد الضغوط الخارجية التي تحاصر الجميع.
يبقى السؤال مفتوحًا: هل يمكن لغزة أن تجد طريقًا جديدًا يوازن بين الأمن والحرية، بين المقاومة والعدالة، أم أن منطق القوة سيبقى سيد الموقف إلى أن تنهك المدينة أكثر مما هي عليه الآن؟










