في ظل حرب مدمّرة تستمر منذ شهور، يواجه سكان قطاع غزة كارثة إنسانية غير مسبوقة. فالمجاعة تطرق الأبواب، والمياه الملوثة تُشرب قسرًا، والمشافي مدمّرة أو عاجزة عن استقبال الجرحى. ومع استمرار دخول قوافل المساعدات من المعابر، يثور سؤال جوهري: لماذا لا تصل هذه المساعدات إلى من هم بأمسّ الحاجة إليها؟ وأين تذهب تلك المواد التي يفترض أنها مخصصة للمدنيين؟
“المساعدات تُسرق.. والناس يتضوّرون جوعًا”
في شهادة لمواطن طلب عدم الكشف عن اسمه قال:> “نشوف الشاحنات تدخل، لكننا ما نحصل على شيء. كل شيء يتم توزيعه عبر ناس محددين، وإذا ما كنت تابع لهم، ما تاخذ لا طحين ولا ماء”.
تشير مصادر محلية وتقارير حقوقية إلى اتهامات صريحة لحركة حماس – المسيطرة فعليًا على القطاع – بالاستيلاء على جزء كبير من المساعدات القادمة من المعابر، سواء القادمة من إسرائيل عبر معبر كرم أبو سالم أو من مصر عبر رفح. تُتهم الحركة بإعادة توزيع هذه المساعدات ضمن شبكات محسوبة عليها، أو حتى بيعها في السوق السوداء بأسعار باهظة.
توثيق دولي وشهادات أممية
في تقرير صدر مؤخرًا عن برنامج الغذاء العالمي (WFP)، ورد أن “الوصول الإنساني إلى السكان في شمال غزة لا يزال صعبًا، بسبب سيطرة جماعات مسلحة على بعض خطوط التوزيع”. ولم تسمِّ الوكالة جهات بعينها، إلا أن مسؤولًا في الأمم المتحدة، تحدث لوسائل إعلام غربية بشرط عدم الكشف عن هويته، أكد أن “جماعات من حماس تقوم بمصادرة شحنات وتمنع توزيعها الحر على المدنيين”.
حماس تنفي وتتهم إسرائيل
في المقابل، نفت حماس هذه الاتهامات على لسان المتحدث باسمها، مشيرًا إلى أن “الاحتلال الإسرائيلي هو من يعيق دخول المساعدات ويقصف المعابر ويمنع القوافل من الوصول”. وأضاف في بيان رسمي أن “الحركة تبذل جهودًا جبارة لضمان توزيع المساعدات بشكل عادل رغم ظروف الحرب”.
غير أن ناشطين حقوقيين محليين يرون أن حماس، في ظل انهيار النظام الإداري التقليدي، باتت تدير الملف الإنساني بعقلية أمنية وتنظيمية ضيقة، مما يعمّق أزمة السكان بدلًا من تخفيفها.
السوق السوداء تزدهر.. والمجاعة تتفاقم
في الأسواق القليلة التي لا تزال تعمل، تُباع عبوات المياه وعلب الطعام التي تحمل شعارات منظمات إنسانية مثل الهلال الأحمر و”أونروا” بأسعار خيالية، لا يستطيع معظم السكان تحمّلها. ويقول رب أسرة نازحة:
> “رأيت كرتونة مساعدات مكتوب عليها ‘لا تُباع’ تُعرض في السوق بثمن ما نقدر عليه. من وين جابوها؟ أكيد في ناس أخذوها من المعونات وعم يبيعوها”.
صمت دولي.. وضحايا بلا صوت
رغم تكرار التقارير والتحقيقات، يبدو أن المجتمع الدولي لا يزال مترددًا في توجيه اتهامات صريحة، ربما بسبب حساسية الوضع السياسي وتعقيد النزاع في غزة. لكن هذا الصمت يساهم، كما يقول ناشطون، في استمرار معاناة مئات آلاف العائلات التي فقدت كل شيء.
من يضمن العدالة في توزيع المساعدات؟
في ظل غياب جهة مدنية محايدة تضمن إيصال المساعدات للمحتاجين، وبين تقاعس المجتمع الدولي عن فرض آليات رقابة صارمة، يبقى سكان غزة هم الضحية الأكبر؛ عالقين بين نار القصف الإسرائيلي، وشبكات توزيع غير شفافة، وسلطة أمر واقع متهمة باستخدام المساعدات كأداة نفوذ.










