تعيش حركة حماس في الأسابيع الأخيرة حالة توتر غير مسبوقة في صفوف قيادتها العليا، وفق ما تؤكده مصادر فلسطينية مطلعة من داخل القطاع وخارجه، فخلف الأبواب المغلقة، تدور نقاشات محتدمة وخلافات حادة بين جناحين رئيسيين في الحركة، أحدهما يقوده عز الدين الحداد وخليل الحية، والآخر يمثله خالد مشعل ورائد سعد، وسط صراع متصاعد على النفوذ وتحديد من سيقود غزة في المرحلة المقبلة، ومن سيتولى إدارة أموال الحركة التي تمثل شريانها الحيوي في الداخل والخارج.
الخلاف الذي بدأ في دوائر ضيقة داخل القيادة السياسية والعسكرية، بدأ يتسرّب تدريجيًا إلى القواعد التنظيمية والميدانية، ما ينذر بانقسام داخلي قد يهدد تماسك الحركة في واحدة من أكثر اللحظات حساسية في تاريخها، فمع ازدياد الحديث عن “المرحلة التالية” بعد تنفيذ أي اتفاق أو صفقة محتملة، تتسابق القيادات لتأمين مواقعها المستقبلية وضمان السيطرة على مفاصل القرار داخل غزة.
بحسب مصادر مقربة من الحركة، فإن جناح الحداد والحية يميل إلى إبقاء القرار داخل غزة بيد القيادات الميدانية التي عاشت أزمات الحرب والحصار على الأرض، معتبرين أن “من صمد ودفع الثمن هو الأجدر بقيادة المرحلة القادمة”. في المقابل، يرى جناح مشعل وسعد، المدعوم من بعض الأطر الخارجية، أن الحركة بحاجة إلى قيادة سياسية جديدة قادرة على إدارة علاقاتها الإقليمية والدولية، وإعادة ترميم صورتها أمام المجتمع الدولي والعالم العربي.
لكن جوهر الخلاف لا يقف عند حدود “من يحكم”، بل يمتد إلى “من يتحكم” في أموال الحركة وإدارتها، فملف التمويل بات أحد أكثر الملفات حساسية داخل حماس، في ظل تضارب المصالح بين القيادات الميدانية التي تطالب بتخصيص الموارد للإعمار والمساعدات الإنسانية في القطاع، وبين قيادات الخارج التي تصرّ على توجيه الأموال نحو النشاط السياسي والإعلامي لتعزيز حضور الحركة عالميًا.
تقول مصادر محلية من غزة إن التوتر لم يبقَ في نطاق القيادة فقط، بل انعكس ميدانيًا في بعض المناطق، حيث شهدت الأسابيع الأخيرة مشادات ومواجهات محدودة بين نشطاء من الطرفين، وصلت إلى تبادل الاتهامات علنًا على وسائل التواصل الاجتماعي، بل وتطورت في بعض الحالات إلى اشتباكات محدودة بين مجموعات محسوبة على كل جناح.
ويحذر محللون سياسيون من أن استمرار هذا الصراع دون احتواء عاجل قد يؤدي إلى شرخ داخلي يضعف وحدة القرار داخل حماس، خاصة في ظل الظروف الحرجة التي تمر بها غزة، ومع اقتراب الحديث عن تسويات سياسية وإعادة إعمار شاملة للقطاع، فالانقسام في القيادة قد ينعكس مباشرة على الميدان، ويضعف قدرة الحركة على التفاوض أو تنفيذ أي اتفاقات محتملة.
يقول أحد الباحثين في الشأن الفلسطيني: *”الانقسام داخل حماس ليس جديدًا، لكنه هذه المرة أعمق وأخطر، لأنه يتعلق بالسلطة والمال، وهما أكثر ما يمكن أن يفجّر أي تنظيم سياسي أو عسكري من الداخل. إذا لم تتمكن القيادة من احتواء التوتر سريعًا، فقد نشهد مرحلة انقسام صامت تتحول لاحقًا إلى صراع علني.”*
في ظل هذه التطورات، يترقب الشارع الغزي بحذر ما ستؤول إليه الأمور داخل حماس، فالكثير من المواطنين يخشون أن تؤدي الصراعات الداخلية إلى تعطيل أي عملية إعمار أو تسوية، خاصة بعد سنوات طويلة من الانتظار والمعاناة، وبينما تنفي الحركة رسميًا وجود خلافات حادة، تتحدث الوقائع على الأرض بلغة مختلفة، تشير إلى أن النار تشتعل تحت الرماد، وأن السؤال الأكبر بات مطروحًا بقوة:
هل تنجح حماس في تجاوز خلافاتها الداخلية قبل أن تتحول إلى انقسام علني يهدد مستقبلها في غزة؟










