الهدوء الذي خيّم على غزة بعد نهاية الحرب ليس سلامًا حقيقيًا، بل صمتٌ مثقلٌ بالأسئلة.
في الطرق المهدّمة، وبين بقايا البيوت التي كانت تضج بالحياة، يهمس الناس بسؤال واحد لم يعد أحد يخاف من طرحه بصوت عالٍ:
هل كانت الحرب مستاهلة؟
من يزور غزة اليوم لا يحتاج إلى تقارير أو أرقام ليفهم حجم الفاجعة.
الدمار يمتد بلا نهاية، والوجوه تحمل مزيجًا من التعب والذهول.
بيوت سُويت بالأرض، ومدارس تحولت إلى ملاجئ، ومستشفيات بالكاد تعمل.
ووسط كل ذلك، تتردد في الشارع تساؤلات مريرة عن قرار الحرب نفسه:
هل كانت غزة بحاجة إلى مواجهة بهذا الحجم؟
وهل كانت حماس تدرك الثمن الذي سيدفعه الناس حين اختارت هذا الطريق؟
يرى كثير من الغزيين أن الحركة ورّطت القطاع في حربٍ فاقت كل التوقعات، إذ تحولت المعركة التي بدأت تحت شعار “الدفاع عن القضية” إلى كارثة إنسانية غير مسبوقة، دفعت ثمنها العائلات، لا القيادات.
في المقابل، يقول أنصارها إن الحرب كانت “ردًا لا بد منه” على الاحتلال، وإن الصمود بحد ذاته هو شكل من أشكال النصر.
لكن مهما كانت المبررات، يبقى الواقع أقوى من الخطاب.
مئات الآلاف تهجروا من منازلهم، عشرات الآلاف جُرحوا، وآلاف فقدوا حياتهم أو أحبّاءهم.
غزة التي كانت رمزًا للمقاومة، أصبحت اليوم رمزًا للألم الإنساني، تبحث عن بداية جديدة وسط ركامها.
الأسئلة التي تدور في الشوارع، وفي جلسات الناس، ليست عن السياسة، بل عن الجدوى.
هل يمكن لأي نصرٍ أن يبرر كل هذا الخراب؟
ومتى سيتوقف هذا النمط القاسي من الحروب التي تبدأ باسم “الكرامة” وتنتهي بفقدان البيوت والأحلام؟
في النهاية، لا أحد ينكر أن الاحتلال أصل المأساة، لكن القرارات الخاطئة يمكن أن تضاعف حجمها.
غزة اليوم لا تحتاج خطبًا ولا شعارات، بل هدوءًا صادقًا يتيح لها أن تلمّ ما تبقى من روحها، وأن تعيد تعريف المقاومة بشكلٍ لا يُدمّرها من الداخل.
ربما لا يملك أحد إجابة حاسمة على سؤال “هل كانت الحرب مستاهلة؟”
لكن المؤكد أن الثمن الإنساني الذي دُفع لا يمكن تبريره بعد الآن.
ولعل أصعب ما في نهاية الحرب ليس توقف النار… بل مواجهة الحقيقة التي تركتها وراءها.










