هنا غزة، حيث لا تُحسب أرواح الناس، ولا يُؤخذ مستقبلهم بعين الاعتبار، تُتخذ القرارات في الغرف المغلقة، ثم يُترك الناس وحدهم في مواجهة مصيرٍ مجهول، غزة اليوم لم تعد وطنًا بالمعنى الإنساني، بل مساحة مغلقة للألم، سجنًا مفتوحًا تتعالى فيه صرخات الوجع، ولا يسمعها أحد.
النساء في غزة لا يراقبن المأساة من بعيد، بل يعشن في قلبها، يحملن ثقل البيوت المهدمة، والجوع، والفقد، ومسؤولية البقاء في واقع يُدار بلا رحمة، كل بيت صامت شهادة، وكل شارع مدمر دليل إدانة لا يحتاج تفسيرًا، بل اعترافًا.
شهادات صادمة للنساء في غزة
في خضم هذا الانهيار، خرجت شهادات صادمة لنساء تحدثن عن الاستغلال والتحرش تحت ستار المساعدة، إحدى النساء قالت بمرارة:
ولا إحنا قادرين نقوم، ولا قادرين نغير، ولا قادرين نعمل إشي. قدام المصاري من هون، بعد يومين قالي بدي أقعد معاكي في مطعم، ونأكل ونشرب مع بعض.
شهادة تختصر واقعًا أكثر قسوة من الفقر ذاته، واقع تُساوَم فيه المرأة على كرامتها مقابل حقها في الحياة.
غزة اليوم مكان تُترك فيه النساء في العراء، يتسولن الدواء، ويواجهن الجوع والفقد والذل بصمت موجع، لا سند حقيقي، لا حماية، لا حكومة تحاسب، ولا منظومة داخلية أو خارجية تكترث، في هذا الفراغ الأخلاقي، تحولت المساعدات إلى أداة ابتزاز، والمحسوبيات إلى ممحاة لحقوق المرأة، وأصبح الولاء هو التصريح الوحيد للحصول على فتات النجاة.
في هذا السياق، تُسحق النساء مرتين، مرة لأنهن نازحات فقدن بيوتهن وأمانهن، ومرة لأن أسماءهن غير مدرجة في دفاتر الانتماء السياسي، حيث تُدار المساعدات بعقلية الإقصاء لا الاستحقاق.
إضافة إلى ذلك، يتخذ استغلال النساء وابتزازهن في غزة أشكالًا أكثر خفاءً ووحشية، فالحاجة تحولت إلى أداة ضغط، والمساعدة إلى فخ، حيث تُجرّ بعض النساء إلى دوائر من الإذلال مقابل وعود بالطعام أو الدواء أو إدراج أسمائهن في قوائم الإغاثة، تُلمَّح الطلبات ولا تُقال صراحة، لكن الرسالة تكون واضحة: الصمت مقابل الخدمة، والقبول مقابل البقاء، في هذا الواقع، تُجرد المرأة من حقها في الشكوى، لأن الاعتراض يعني الحرمان، ورفع الصوت يعني الإقصاء، هكذا يُعاد إنتاج العنف كل يوم، ليس بالقوة المباشرة فقط، بل بالابتزاز النفسي وكسر الإرادة، في مشهد يُدار بعيدًا عن الكاميرات، وتدفع ثمنه نساء لا يملكن ترف الرفض.
غزة التي تُقدَّم للعالم بوصفها جبهة صمود، تكشف على الأرض وجهًا آخر أكثر ظلامًا، غابة من الذئاب تنهش كرامة النساء باسم المقاومة، وتغلف الانتهاكات بشعارات كبرى، بينما الضحايا بلا صوت ولا حماية.
غزة المنهكة مدينة بلا ملامح، تمشي فيها فلا ترى إلا الركام، وتتنفس وجعًا لا ينتهي، البيوت لم تعد بيوتًا، بل قبورًا مفتوحة، والناس تعبوا من عدّ الخسائر، ومن مطاردة الحياة بين الخيام والحطام بعد حرب أشعلتها حماس.
حتى الخيمة، آخر رموز الستر، تحولت إلى سلعة، خيم دخلت كمساعدات إنسانية تُباع علنًا في الأسواق، وتُمنح لمن يملك المال أو النفوذ، لا لمن يفترش الطين ويغرق تحت المطر، كل منخفض جوي يفضح المشهد نفسه، أطفال مبللون، نساء منهكات، ومخازن ممتلئة لا تُفتح إلا بشروط.
المنخفض الأخير لم يكشف الطقس فقط، بل كشف كل شيء. كشف أن الكرامة لم تعد تمر عبر معابر المساعدات، وأن الوطن يُباع في كرتونة، ويُشترى بشعار. وبينما تتكرر حملات التعاطف، يبقى السؤال معلقًا: من يقرر؟ من يوزع؟ ومن يحمي النساء حين تتحول معاناتهن إلى فرصة للاستغلال؟
هذا ليس مجرد فشل إداري، بل سقوط أخلاقي، تدفع ثمنه نساء غزة كل يوم، في الصمت، وفي الخيام، وفي صفقات العار التي تُفرض عليهن باسم الحاجة.










